شهدت قاعة مزادات كريستيز في نيويورك حدثاً استثنائياً مع بيع دراسة صغيرة لقدم بريشة ميكيلانجيلو مقابل 27,2 مليون دولار، في رقم قياسي جديد لأعمال هذا العبقري النهضوي. العمل، المنفّذ بالطبشور الأحمر على ورقة لا يتجاوز طولها بضعة سنتيمترات، يمثّل دراسة تشريحية لقدم مرتبطة بلوحة «الليبية العرّافة» على سقف كنيسة سيستينا في الفاتيكان، ما يمنحه قيمة فنية وتاريخية مضاعفة بالنظر إلى ندرة الرسومات التحضيرية المتبقية لهذا المشروع الأيقوني. المزاد شهد منافسة حادّة استمرّت عشرات الدقائق، وتجاوز السعر النهائي التقدير الأولي بأضعاف، ليكرّس شهية متجددة لدى جامعي الأعمال الفنية تجاه «الأساتذة القدامى» بعد سنوات من هيمنة الفن المعاصر على العناوين والأسعار القياسية.
قصة هذا الرسم تضيف بعداً درامياً إلى الحدث؛ إذ ظلّ لعقود حبيس إطار في منزل عائلة أميركية في كاليفورنيا، قبل أن يقرّر مالكه المجهول إرسال صورته عبر خدمة تقدير إلكترونية إلى دار المزادات، في خطوة لم يكن يتوقّع أن تقلب حياته. خبراء الرسم القديم في كريستيز سرعان ما أدركوا جودة الخطوط وقوة البناء التشريحي، لينطلق مسار طويل من الفحوص التقنية والدراسة المقارنة مع رسومات محفوظة في متاحف كبرى، انتهى بتوثيق العمل كأصلي لميكيلانجيلو. هذا «الاكتشاف المتأخّر» يسلّط الضوء على الدور المتنامي للأدوات الرقمية في سوق الفن، حيث يمكن لصورة التقطت بهاتف ذكي أن تميط اللثام عن كنز فني مفقود منذ قرون، وأن تنقل ورقة واحدة من خانة التذكارات العائلية المتواضعة إلى نادي الأعمال ذات الأسعار الفلكية على المستوى العالمي.
من الناحية التاريخية، تندرج هذه الدراسة ضمن مرحلة حاسمة في مسيرة ميكيلانجيلو، حين كان ينجز الجزء الثاني من سقف كنيسة سيستينا في مطلع العقد الثاني من القرن السادس عشر. رسوماته التحضيرية، خصوصاً تلك المنفّذة بالطبشور الأحمر، تشهد على هوسه بدقة التشريح الإنساني وعلى سعيه الحثيث لضبط وضعيات الجسد في حركة ديناميكية معقّدة، وهو ما يظهر بوضوح في طريقة التفاف القدم وتوتر العضلات في هذه الورقة الصغيرة. ومع أن ميكيلانجيلو خلّف آلاف الرسومات، فإن عدداً محدوداً فقط نجا من التلف أو الإتلاف المتعمّد، لأسباب من بينها حرصه نفسه على إتلاف بعض الرسوم حتى لا يراها الآخرون، ما يزيد من ندرة هذه الشهادة الورقية عن ورشة عمله. أن تصل دراسة واحدة من هذا النوع إلى السوق المفتوحة، بدل أن تبقى في مجموعة متحفية مغلقة، يجعل من المزاد حدثاً يثير شهية المتاحف والجامعين على السواء ويعيد طرح سؤال ملكية التراث الفني العالمي بين المؤسسات العامة والقطاع الخاص.
اقتصادياً وثقافياً، يحمل هذا البيع دلالات تتجاوز رقم الـ27,2 مليون دولار. فهو يؤكد أن سوق «الماسترز» الكلاسيكيين ما زال قادراً على إنتاج مفاجآت كبرى، وأن الاهتمام برموز عصر النهضة لم يخفت أمام صعود الأسماء المعاصرة والرقمية. كما يعكس تحوّلاً في طريقة اكتشاف الأعمال وتقييمها، حيث يتقاطع العمل الخبروي التقليدي للقيّمين وخبراء الرسم مع تقنيات البحث العلمي ووسائط الاتصال الحديثة. بالنسبة لدار المزادات، يُعدّ هذا الإنجاز دعامة قوية لصورتها في سوق تنافسي شديد الحساسية، بينما بالنسبة للمؤرخين والنقّاد يشكّل إضافة مهمّة إلى مجمل أعمال ميكيلانجيلو المعروف، وإلى فهمنا لتطوّر مشروعه البصري في سيستينا. أما بالنسبة للجمهور الأوسع، فإن قصة «القدم الصغيرة» التي خرجت من بيت عادي لتصير من أغلى أعمال ميكيلانجيلو في مزاد، تقدم مادة مثالية لسردية «الكنز المخبّأ» التي لا تكفّ عن إبهار المتابعين، وتعيد التذكير بأن التاريخ الفني لا يزال قادراً على إنتاج مفاجآت، حتى في أكثر صفحاته درساً وتوثيقاً.


