مع انطلاق معرض دمشق الدولي للكتاب، تسجل بعض دور النشر العربية عودة لافتة إلى المشهد الثقافي السوري بعد سنوات طويلة من الانقطاع، في مؤشر على محاولة لترميم الصلة بين الكاتب والقارئ وسوق الكتاب الحديث في البلاد. وتبرز ضمن هذه المشاركة عودة منشورات المتوسط، التي أسسها الناشر خالد الناصري في المنفى، بوصفها تجربة طبعت حضورها بهوية أدبية واضحة وانحياز معلن لحرية الكلمة والأسئلة الصعبة.
يرى القائمون على المعرض أن مشاركة دور نشر بارزة تشكل خطوة باتجاه استعادة الحركة الثقافية لعافيتها، وإعادة وصل ما انقطع بين الداخل والخارج خلال سنوات الحرب والمنفى. ويقدَّم هذا الحضور بوصفه جزءاً من فرصة تاريخية مفتوحة أمام سوريا لصياغة مستقبل ثقافي جديد، رغم أن طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية ما تزال غير محسومة بالكامل.
يستعيد خالد الناصري في حديثه بدايات تجربته، موضحاً أنه وُلد وتربى وتعلم مهنة النشر والطباعة وفنون الجرافيك في سوريا، قبل أن تدفعه ظروف القمع والاستبداد في عهد نظام الأسد إلى مغادرة البلاد. ويشير إلى أن تأسيس منشورات المتوسط في إيطاليا جاء بديلاً اضطرارياً عن مشروع كان يفترض أن يرى النور داخل سوريا، لكنه اصطدم مبكراً بحدود العمل الثقافي تحت سلطة أمنية مغلقة.
يصف الناشر قرار الهجرة بأنه كان خياراً أخلاقياً في سياق شعور بالعجز عن العمل بحرية داخل البلد، مع تأكيده أن من بقي في الداخل لا يمكن وصفه بأنه أقل أخلاقاً أو أقل التزاماً. ويشدد على أن المنفى أتاح له مواصلة العمل من الخارج، والنشر لكتاب سوريين وعرب معارضين، في مواجهة مباشرة مع الرقابة السياسية ورموز النظام، وفي مقدمتهم بشار الأسد.
خلال سنوات المنفى، بلورت منشورات المتوسط خطها التحريري حول الأدب غير المهادن والانحياز للنصوص التي تقارب القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية بجرأة، بعيداً عن الأدب الترفيهي أو التجاري. وتراكَم هذا المسار في صورة دار نشر ترى في الكتاب فضاءً لمساءلة السلطة والاستبداد، وتمنح الأولوية للأعمال التي تطرح أسئلة الحرية والعدالة والذاكرة والعنف.
مع المشاركة الحالية في معرض دمشق، يؤكد الناصري أن العودة لا تعني تغيير هذا الخط أو مراجعته بما ينسجم مع أية حسابات سلطوية أو رقابية جديدة. ويشير إلى أن الدار تحضر في المعرض بالخط نفسه الذي بنته في المنفى، ما يعني أن اختبار العلاقة بين حرية النشر والفضاء الثقافي السوري الجديد سيكون عملياً ومباشراً.
يرى الناشر أن سوريا اليوم أمام مرحلة يصفها بالمفتوحة، بعد التحرر من نظام الأسد، من دون يقين كامل بما سيؤول إليه المسار السياسي على المدى المتوسط. لكنه يعتبر أن التواجد داخل البلد ضروري للمساهمة في بناء المستقبل، وأن مغادرة الساحة تترك المجال لقوى أخرى قد لا تشترك في الرؤية ذاتها للثقافة والكتاب ودورهما في التحول الديمقراطي.
يقر الناصري بأن العودة تتم في سياق ما بعد دكتاتوري لم يكتمل تحرره بعد، وأن التحدي أمام دور النشر يكمن في الحفاظ على الموقف الأخلاقي الرافض للاستبداد، مع الانخراط في فضاء ثقافي ما زال في طور إعادة تشكيل قواعده وحدود حرية التعبير فيه. ويطرح في هذا الإطار ضرورة أن تتصرف دور النشر بوصفها فاعلاً ثقافياً مسؤولاً، لا مجرد مقاول طباعة وتوزيع، وأن تربط خياراتها التجارية بمبادئ واضحة تجاه الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
على مستوى المشهد الأوسع، تعكس عودة دور نشر عربية وسورية إلى دمشق محاولة لالتقاط لحظة تحول يُراد لها أن تجمع بين ذاكرة المنفى وخبراته وبين حاجة الداخل إلى تجديد أدواته الثقافية. ويمنح هذا التلاقي بين القارئ السوري والكتّاب والدور التي عملت لسنوات خارج الحدود فرصة لفتح نقاش جديد حول معنى الكتاب ودوره في إعادة بناء المجال العام بعد عقود من الاستبداد والحرب.
في خلفية هذه العودة، تبقى الأسئلة مطروحة حول حدود ما يمكن نشره وتداوله، وحول قدرة البنية القانونية والسياسية الحالية على استيعاب خطاب ثقافي نقدي وغير مهادن. ومع ذلك، يُصر خالد الناصري على أن الحضور داخل سوريا، بما يحمله من مخاطر وتحديات، هو الطريق الوحيد لضمان أن يكون للفاعلين الثقافيين المستقلين مكان في رسم ملامح المستقبل، لا أن يُترَك المجال حصراً للقوى التي اعتادت توظيف الكتاب والثقافة في خدمة السلطة.


