الشعر ليس حكرًا على الوقار والجدّية؛ أحيانًا يكفي سطرٌ واحد مُحكم ليحوّل القصيدة إلى مساحة للدهشة والابتسام. في جوهره، الشعر فعل تعبير واتصال، والفكاهة جزء أصيل من هذه التجربة، تُخفّف التوتر، وتكشف تناقضات الحياة بلا ادّعاء، وتُذكّرنا بأن اللعب باللغة يمكن أن يكون بليغًا بقدر ما هو مُسلٍ. حين يقتنص شاعرٌ مفارقة دقيقة أو عبثًا مقصودًا في لحظة الإيقاع الصحيحة، يصبح الضحك أداة قراءة تُفتح بها القصيدة بدل أن تُغلقها.
إضافة الكوميديا إلى قصيدة محكمة ليست لعبًا مجانيًا؛ إنها توازن دقيق بين الإيقاع والصورة واللغة وتوقيت المفارقة. «الفكاهة الشعرية» ليست نوعًا واحدًا: بعض الشعراء يميلون إلى التهكّم الرشيق والإحالة الثقافية، وآخرون يفضّلون السخف المدروس واللا معقول، وكلاهما يحتاج أساسًا لغويًا متينًا كي لا تتحول المزحة إلى حشو. ليمريك يُقلب معنى كلمة واحدة في آخر السطر، رباعيةٌ تُفاجئ بكسرةٍ على التوقّع، أو بيتٌ يُمرّر نقدًا اجتماعيًا بلباقة؛ كلها أمثلة على كيف تُبنى الضحكة على «هندسة» لغوية دقيقة.
القوة الدائمة لـ«السطر المضحك» تأتي من عناصر متضافرة: مفارقة قصيرة تُقلب زاوية النظر، تركيب بسيط محكوم بإيقاع نظيف، وصورة ذهنية خاطفة تُصيب الهدف بلا إطناب. بهذا المعمار، يتعايش الضحك مع الشعر الجادّ ويُثريه بدل أن يُضعفه، لأن المزحة هنا ليست زينة، بل وسيلة للكشف والتكثيف. وحين تُترجم هذه الأسطر بين اللغات، يبرز تحدٍّ إضافي: الحفاظ على الجرس والإيحاء مع نقل اللعب اللفظي، ما يتطلّب حلولًا خلاقّة تُعيد خلق الأثر لا تكرّر الكلمات حرفيًا.
النتيجة أن شعراء الطرافة عبر التاريخ تركوا لنا «أسطرًا» تعيش خارج سياقها الأصلي: سطور تلتصق بالذاكرة لأنها تمسك اللغة من طرفها المشاكس، وتعيد تشكيل اليوميّ بلمسة ساخرة لا تُسيء إلى جدية الشعر بل تُوسّع طيفه التعبيري. هذه الاختيارات لا تُقدِّم ضحكًا مجانيًا؛ إنها تُظهر كيف يصبح اللعب باللغة فنًا يُفكّك القوالب، ويقرّب الشعر من قارئه دون أن يُسطّحه.


