يفتح كتاب «عربيّة في إيران: الإيرانيون كما لم نعرفهم» للكاتبة والناقدة السينمائية ندى الأزهري نافذة واسعة على تفاصيل الحياة اليومية في إيران، كما تراها عين عربية مقيمة لا زائرة عابرة. على امتداد صفحات العمل، تسجّل الأزهري مشاهداتها خلال سنوات من العيش في طهران ومدن أخرى، لتقدّم للقارئ صورة حميمة عن الإيرانيين العاديين: الباعة في الأسواق، الطلاب، النساء في الحافلات، العائلات في الحدائق، وكل أولئك الذين يغيبون عادة عن تقارير السياسة والإعلام.
لا تقدّم الكاتبة دراسة أكاديمية عن إيران، بل سردًا متدرّجًا ليوميات وتجارب شخصية تتداخل فيها الملاحظات الاجتماعية مع الانطباعات الثقافية والمفارقات الإنسانية. من خلال حوارات عابرة ونقاشات طويلة، تتشكل أمام القارئ خريطة لمخاوف الإيرانيين وآمالهم، لطريقتهم في التديّن، لعلاقتهم بالتاريخ والثورة والغرب، ولحساسيتهم تجاه العرب والجيران. وفي خلفية هذه المشاهد، يحضر دائمًا ثقل النظام السياسي والرقابة والطقوس الرسمية، لكن من خلال تأثيره على تفاصيل بسيطة مثل الضحك في الشارع، أو طريقة اختيار الملابس، أو الحديث عن السياسة خلف الأبواب المغلقة.
تكمن أهمية الكتاب في أنه يزيح جانبًا الضجيج الأيديولوجي الذي يحيط عادة بصورة إيران في الفضاء العربي، ليعيد تركيب المشهد من أسفل، من مستوى الناس الذين يركبون المترو ويقفون في طوابير الخبز ويتابعون المسلسلات، ويجدلون يومهم بين الأحلام والقيود. بهذا الأسلوب الهادئ، يصبح «عربيّة في إيران» أقرب إلى شهادة ميدانية طويلة عن مجتمع معقّد، يلتقي فيه التاريخ الإمبراطوري مع هموم الطبقة الوسطى والأحياء الشعبية، وتختلط فيه الفارسية بالعربية والفرنسية في تجربة ذاتية تضيء كثيرًا من المسكوت عنه في العلاقة بين العرب والإيرانيين.


