تشهد منصات الكتابة والنشر منذ أشهر «صدمة» حقيقية أمام القدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي النصي، من نمط ChatGPT وغيره من النماذج القادرة على إنتاج نصوص متماسكة الأسلوب في أي موضوع تقريباً، وبزمن قياسي. هذا التحول التكنولوجي، الذي استقبلته قطاعات واسعة من الجمهور بإعجاب، كشف في المقابل عن هشاشة الحدود التقليدية بين الكاتب الآدمي و«المؤلف الآلي»، خاصة داخل فضاءات أدبية ظلت حتى الأمس القريب عنواناً على الخيال والابتكار الفردي، وفي مقدمتها أدب الخيال العلمي. فمع بداية هذا العام، وجدت مجلة «Clarksworld» الأميركية نفسها أمام فيضان غير مسبوق من القصص القصيرة المرسلة للنشر، أكثر من 500 نص تبيّن أنها مكتوبة بالكامل بواسطة خوارزميات المحادثة الذكية، ما اضطر هيئة التحرير إلى اتخاذ قرار جذري بحظر مئات «الكتّاب» دفعة واحدة
يصف رئيس التحرير نيل كلارك هذا الوضع بـ«الآفة» التي تهدد بنية المجلة نفسها، ليس فقط لأنها تضاعف بشكل كارثي حجم النصوص الواجب فرزها وتقويمها، بل لأنها تضرب في الصميم العقد الضمني بين الناشر والكاتب والقارئ: أن يكون النص تعبيراً عن جهد إنساني أصيل، لا نتاجاً لآلة تتقن المحاكاة اللغوية. قبل صعود هذه الأدوات، كانت حالات الحظر شبه مقتصرة على متهمين بالانتحال أو سرقة أفكار الغير، أما اليوم فالمشكلة مختلفة: نصوص جديدة شكلاً، لكنها بلا «كاتب» بالمعنى التقليدي. ورغم أن المجلة تعلن صراحة في نظامها الداخلي رفض الأعمال المكتوبة أو المعانة بالذكاء الاصطناعي، إلا أن ذلك لم يمنع كثيرين من إرسال نصوص مصنوعة آلياً، ثم التوقيع عليها بأسمائهم، ما يحوّل العمل الأدبي إلى نوع من «الاحتيال التقني» يصعب كشفه دائماً بأدوات التحرير التقليدية.
من جهة أخرى، يسلّط هذا الجدل الضوء على المفارقة الأساسية في موجة الذكاء الاصطناعي الحالية: النصوص تبدو في ظاهرها متقنة، خالية من الأخطاء اللغوية تقريباً، ومطابقة لما ينتظره المحرر من بنية أسلوبية وسردية، لكنها تعاني في العمق من فقر في التجربة الإنسانية، وتكرار للأنماط السردية السائدة، بل وأحياناً من أخطاء معرفية فادحة تحاول إخفاءها وراء لغة واثقة. لذلك تتعاظم مخاوف الناشرين والمنظمات التعليمية من أن تتحول هذه الأدوات إلى قناة سهلة للغش في الامتحانات، أو لإغراق المسابقات الأدبية بالنصوص المولّدة آلياً، بما يصعب معه تكافؤ الفرص بين المتنافسين. في الوقت نفسه، تتغذى هذه الطفرة على استثمارات ضخمة من شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل الشراكة بين OpenAI وشركة مايكروسوفت، التي تروّج لهذه النماذج باعتبارها ثورة مقبلة في البحث على الإنترنت والإنتاجية المعرفية، من دون أن تقدّم بعد أجوبة واضحة عن التداعيات الأخلاقية والقانونية على حقوق المؤلفين البشر.
وسط هذا المشهد، يبدو أدب الخيال العلمي في وضع رمزي خاص: فهو الجنس الأدبي الذي تخيّل مبكراً عوالم الآلات الذكية واستقلالها عن البشر، فإذا به اليوم يواجه تجسداً مباغتاً لتلك التخييلات في شكل نصوص مكتوبة فعلاً بأيدٍ غير بشرية. أمام هذا الواقع، لا تكفي الحلول التقنية وحدها، من برامج كشف النصوص الاصطناعية أو تشديد لوائح النشر، بل تبرز الحاجة إلى نقاش أوسع حول ما نعتبره «إبداعاً»، وحول قيمة التجربة الذاتية والخيال الفردي في زمن يمكن فيه لأي شخص، بضغطة زر، أن يحصل على قصة «جاهزة» تحاكي أسلوب أشهر الكتّاب. بالنسبة للفاعلين في الصحافة الثقافية والكتاب والناشرين، يطرح هذا التحول تحدياً مزدوجاً: كيف يمكن الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي في التحرير والبحث، من دون التضحية بخصوصية الصوت الإنساني، وكيف يمكن إعادة تعريف معايير الأصالة في عصر أصبحت فيه الآلة قادرة على كتابة ما يشبه، إلى حد بعيد، «أدباً» بلا مؤلف.


