على مدى أشهر، أتيح لصحفي من منصة مستقلة الوصول إلى كواليس وزارة الثقافة الروسية، حيث تتداخل الأيديولوجيا مع البيروقراطية في مشهد يومي يكشف كيف تُبنى سرديات “الولاء” داخل مؤسسة باتت ركيزة للدعاية الرسمية. النص التالي يعيد تقديم تلك الكواليس بلغة عربية حديثة، مع إبراز ديناميات العمل، والأشخاص، والمشاريع التي تصوغ صورة “مينكولت” في الفضاء العام.
منذ الدخول إلى المبنى التاريخي الذي يحمل شعار الدولة، تتكشف طبقات الانضباط الرمزي: بوابة أمنية شكلية، بطاقات مؤقتة بلا تدقيق، وملصقات تُذكّر بإرسال الإقرارات الضريبية وتُحذّر من الفساد، إلى جانب رموز رقمية لحشد التبرعات لـ”جمهورية دونيتسك الشعبية” عبر رمز QR المرتبط بدعوات التبرع للمقاتلين في منطقة دونيتسك. كل ذلك يرسّخ خطاب “القيم التقليدية” و”الوحدة الوطنية” في أروقة الوزارة، ويضع الزائر أمام جهاز يشتغل على التفاصيل الصغيرة بقدر ما يشتغل على الرسائل الكبرى.
برنامج التدريب نصف السنوي داخل الوزارة (“مينكولت”) يجذب طلابًا وخريجين حتى سن 27 من حملة الجنسية الروسية. الانتقاء مُشدّد، والفرز الأمني يضع أي متقدّم على “قوائم سوداء” إذا ظهر ارتباطه بمنصات معارضة مثل مشروع التصويت الذكي المرتبط باسم أليكسي نافالني. الناجحون يُضافون إلى “احتياطي الكوادر الشابة”، وهو مسار يُصنع ليكون رافعة لمناصب ووجاهة مستقبلية، ويحمل بوضوح بصمة الصناعة البيروقراطية وسردية الولاء.
في تفاصيل اليوميات، تظهر الاجتماعات والفعاليات كمساحات لبناء نموذج المواطن “المنضبط”. فعالية بعنوان “قوة الكلمات ونمط حياة صحي” شاركت فيها مقدمة الأخبار المعروفة إيكاترينا أندرييفا بالتعاون مع منظمة “زنانـيـه” المؤيدة للحكومة. تُحجز القاعات الكبيرة، يُستدعى الموظفون أثناء الدوام، وتتسلل رسائل سلوكية إلى الخطاب الرسمي: نعومة المرأة ومرونتها، تغيير التعبيرات اليومية، و”تهذيب” رد الفعل عند الصراخ الإداري. هكذا تُطبخ اللغة والخطاب في قلب المؤسسة المسؤولة عن الثقافة.
إلى جانب المبنى الرئيسي، يعمل قسم “العمل التربوي ومشاريع التهذيب” في مساحة مفتوحة زجاجية، حيث تترأس الإدارة نساءٌ غالبًا، ويُنسّق نائب الوزير مهام القسم انطلاقًا من مكاتب محاطة برموز ثقافية ودينية: أسطوانات لفيسو츠كي وأوكودجافا، وأيقونات موضوعة في زاوية المكتب، وصورة كبيرة للرئيس تحمل عبارة “الثقافة هي بنيتنا الروحية”. في هذا الجو، لا تمرّ الاجتماعات بهدوء: لغة صارمة، دموع، استقالات تُكتب ثم تُنسى، وقناة تليغرام تُسوّغ حدّة الإدارة بقصيدة لباسـترناك. التفاصيل اليومية تُظهر أيضًا أحكامًا نمطية تجاه النساء، وتفاوتًا في الامتيازات داخل فرق العمل.
تحت ضغط الجداول، يختلط “التربوي” بـ”الوطني” على نحو مباشر. أنشأت الوزارة مطلع العام مكتبًا لمشاريع “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، يُموّل أفلامًا ويحتضن مهرجانات مثل مشاريع المخرجة أوليسيا شيغينا، ويقترح على المسارح قائمة عروض حول الحياة العسكرية ضمن برنامج “رجال العملية الخاصة. قصص حقيقية” المدعوم بمنحة رئاسية. يحضر اسم فلاديمير ماشكوف رئيس اتحاد الأنشطة المسرحية المؤيد للحرب، وتُصبح الصور معه علامة رمزية داخل الوزارة.
في الكواليس، تتكشّف شبكة موارد بشرية مرنة: موظفون من احتياطي الكوادر، من أقسام إعلام المدن، من مشاريع المنتديات والحركات الشبابية، وكثيرون من كُورسك حيث تمتد صِلات المديرين. تُستوعَب أعدادٌ عبر كيانات غير ربحية لتسهيل التوظيف خارج نظام الخدمة المدنية، ما يصنع دورانًا سريعًا لا يلحق به دليل الهواتف الداخلي. داخل العمل اليومي، تتكرر ندرة التجهيزات: شاشات غير كافية، كراسٍ محدودة، واعتماد على الحواسيب الشخصية. الهدايا المثالية: لوحة مفاتيح وفأرة وسلّة مهملات.
على مستوى الرسائل العامة، تدفع الوزارة بمختبر “أعياد الدولة” لترويج مناسبات كالـ”يوم الوطني للوحدة” أو “يوم العلم” عبر شراكات مع شركات كبرى مثل يانديكس، سبيربانك وروسآتوم. إلى جانب ذلك، تتعاون الوزارة مع جمعية قدامى “العملية الخاصة” لإعادة إدماج العائدين من الجبهة داخل مؤسسات الدولة والأنشطة الثقافية، وصولًا إلى استيعابهم في بنية الوزارة نفسها.
تظهر التفاصيل الصغيرة باعتبارها أجزاء من صورة كبيرة: مطعم “الناس المثقفون”، أكواب مفضلة يُمنع استخدامها، مغسلة مزدحمة آخر النهار، سيارة خاصة لمديرة القسم بينما موظفوها يستخدمون المترو، وضوء يبقى مشتعلًا في “الأكواريوم” حتى ساعة متأخرة. في الخلفية، يتصدّر مرسوم رئاسي لإعادة تأكيد “القيم الروحية والأخلاقية التقليدية” خارطة العمل التربوي، ويُعاد توزيع الأدوار والبرامج لضمان وصول الرسالة إلى المدارس، المسارح، والهيئات الثقافية.
بين الانضباط الرمزي والرسائل الأيديولوجية، تُقدّم وزارة الثقافة الروسية نموذجًا لآلية تُنتج الدعاية من داخل البيروقراطية: لغة مُهذّبة ظاهريًا، إدارة قاسية عمليًا، تحالفات مع شركات كبرى وهيئات محاربة، ومشاريع تُعيد رسم علاقة الفن والسياسة في سياق “العملية العسكرية الخاصة”. في هذا التقاطع، يصبح “مينكولت” جهازًا يوميًا لصياغة المعنى العام، حيث تتجاور الأيقونات والصور المسرحية، والملصقات التحذيرية وروابط التبرع، في بنية واحدة تُدير الثقافة بوصفها سياسة مستمرة.



