في العشرين من ديسمبر 1968 أُسدل الستار على حياة جون شتاينبك، أحد أبرز من جعلوا الفقراء والمهمّشين أبطالًا دائمين في الأدب الأميركي الحديث. ولد شتاينبك عام 1902 في مدينة ساليناس بولاية كاليفورنيا، في منطقة زراعية ستتحول لاحقًا إلى المسرح الأثير لغالبية أعماله، حيث المزارعون الصغار والعمّال الموسميون والعائلات المطرودة من أراضيها. درس لفترة متقطعة في جامعة ستانفورد قبل أن ينصرف إلى سلسلة من الوظائف اليدوية المتواضعة، تجربة ستزوده بمعرفة مباشرة بحياة الطبقة العاملة وتفاصيل تعبها اليومي، لتصبح هذه التجربة الخام مادة روائية بامتياز.
انفجرت موهبته في ثلاثينيات القرن الماضي مع ما عُرف بثلاثية «الغبار»: «في معركة مشكوك فيها»، و«فئران ورجال»، ثم «عناقيد الغضب» التي حصدت جائزة بوليتزر ورسخت صورته ككاتب ينحاز بوضوح إلى المنفيين من الحلم الأميركي. جسّد في هذه الأعمال مصير عمال المزارع والمهاجرين الداخليين خلال سنوات الكساد الكبير، كاشفًا عن بنية استغلال اقتصادي وعنصرية قادرة على سحق الإنسان ثم تحميله وحده مسؤولية سقوطه. لغته البسيطة المشحونة بالرموز، وقدرته على منح «الرجل العادي» كثافة تراجيدية، جعلتا رواياته تُقرأ بوصفها وثائق إنسانية بقدر ما هي أعمال فنية.
هذا المزج بين الواقعية الحادة والخيال الواسع هو ما دفع الأكاديمية السويدية إلى منحه جائزة نوبل للآداب عام 1962 «عن كتاباته الواقعية والمتخيلة التي تمزج بين روح الدعابة المتعاطفة والنفاذ الاجتماعي الحاد». رغم الجدل الذي أثاره هذا الاختيار في حينه، ظل شتاينبك بالنسبة للجمهور كاتبًا قريبًا من الناس، تُقتبس شخصياته في السينما والمسرح وتدخل عباراته إلى اللغة اليومية. ومع رحيله في نيويورك عن 66 عامًا بقي إرثه حاضرًا في الوجدان الأميركي والعالمي؛ فرواياته لا تزال تُطبع وتُدرّس في المدارس والجامعات، لأن أسئلته عن الظلم الاجتماعي وكرامة الإنسان وحقه في بيت وعمل وحياة هادئة لم تفقد شيئًا من راهنيتها. هكذا يستمرّ شتاينبك، بعد عقود على وفاته، روائيًّا «شعبيًّا» بالمعنى النبيل للكلمة: من كتب عن المقهورين، وبقيت كتبه رفيقة طريقهم في كل مكان.


