يسعى كتاب «نظريات الثقافة في أزمنة ما بعد الحداثة» لعالم الأنثروبولوجيا الأمريكي مارفن هاريس، بترجمة عائذ أبو حسون، إلى تفكيك واحدة من أكثر المفاهيم حضورًا وإشكالًا في العلوم الإنسانية اليوم: مفهوم الثقافة في عالم متحوّل تتراجع فيه السرديات الكبرى وتتصاعد فيه الهويات المتشابكة. يتقدم هاريس، بوصفه أحد الأسماء البارزة في المادية الثقافية، إلى القارئ العربي بنص يختبر أدواته النقدية وهو يراجع المناهج التي قاربت الثقافة خلال العقود الأخيرة، من المقاربات البيولوجية والسوسيولوجية إلى القراءات ما بعد الحداثية.
ينطلق الكتاب من سؤال مركزي حول الكيفية التي صاغت بها النظريات المختلفة معنى الثقافة: هل هي في جوهرها أنساق من الرموز والمعاني، أم أنماط من السلوك والممارسة، أم نتاج لشروط مادية واقتصادية تشكّل البنية العميقة للمجتمع؟ لذلك يمر هاريس على مدارس عديدة، من البنيوية والوظيفية إلى السوسيبيولوجيا والنسبية الثقافية، فيختبر حدودها المعرفية، ويبيّن كيف أن بعضها أغفل البعد المادي لصالح التمثلات الذهنية، فيما حوّل بعضها الآخر الثقافة إلى امتداد مباشر للبيولوجيا أو للغرائز. وبدل الاكتفاء بالتوصيف، يقترح الكاتب إعادة ترتيب هذه الحقول ضمن منظور يحافظ على تعقّد الظواهر الثقافية من دون الوقوع في تبريرات ميتافيزيقية أو حتميات جينية.
في قلب هذا المشروع يطرح هاريس أطروحته المفضلة: لا يمكن فهم أي نسق ثقافي بمعزل عن سؤال «من المستفيد؟»؛ إذ تتداخل المعتقدات والقيم والمؤسسات مع مصالح وقوى مادية محددة، تجعل من الثقافة ساحة للصراع بقدر ما هي فضاء للمعنى. يوضح الكتاب، عبر أمثلة من التحولات المجتمعية المعاصرة، كيف أن القراءات التي تهمل هذا البعد المصلحي تُفضي إلى احتفاء سطحي بالاختلاف والتنوع، من دون القدرة على تفسير علاقات القوة التي تتحكم في إنتاج الرموز والخطابات. وهنا يتقاطع نقد هاريس لتيارات ما بعد الحداثة مع دفاعه عن مقاربة ترى في الثقافة بنية قابلة للتحليل، لا مجرد فسيفساء من السرديات المتجاورة.
يمتاز هذا العمل أيضًا بأنه يربط النقاش النظري بأسئلة الحاضر، مثل الجدل حول الهوية، وموقع العلم في المجتمع، والرهانات السياسية لصعود الخطابات الشعبوية والقومية، ما يجعل الكتاب أقرب إلى مختبر لفهم زمن ما بعد الحداثة من داخل أدواته ذاتها. وبأسلوب تحليلي هادئ، يقدّم «نظريات الثقافة في أزمنة ما بعد الحداثة» مادة ثرية للباحثين وطلاب الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية، وكذلك للقراء الذين يرغبون في الاقتراب من مفهوم الثقافة خارج الصور النمطية، وبعين ناقدة تسأل دائمًا عن القوى التي تجعل من الأفكار أنظمة مهيمنة ومن المعاني قدرًا اجتماعيًا.


