يقدّم كتاب «استجواب الرئيس» للمحلّل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون نِكسون واحدة من الشهادات المباشرة عن الأيام الأخيرة لنظام صدام حسين. الرواية تتحدث عن أوّل أميركي أجرى جلسات استجواب مطوّلة مع الرئيس العراقي بعد اعتقاله أواخر عام 2003. يجمع الكتاب بين السرد الشخصي والتحليل السياسي، كاشفاً كيف ساهم سوء فهم واشنطن لشخصية صدام ودوره في المنطقة في دفع الولايات المتحدة نحو مغامراتها العسكرية كلفة في التاريخ الحديث.
يروي نكسون مساره المهني كمحلّل مختص في شؤون العراق وإيران داخل الـCIA، وكيف تحوّل من خبير يلاحق أثر صدام عبر التقارير والصور، إلى محقّق يواجهه وجهاً لوجه في غرفة ضيّقة داخل معتقل أميركي قرب بغداد. من خلال هذه المواجهات، يعترف المؤلف بأن الصورة الذهنية التي كوّنها الجهاز السياسي والإعلامي الأميركي عن «الديكتاتور المجنون» سرعان ما تهاوت أمام شخصية يصفها بأنها براغماتية، حادّة الذكاء وممسكة بتفاصيل المجتمع العراقي، رغم ما تحمله من سجل دموي واستبدادي.
لا يكتفي الكتاب بتفاصيل الاستجواب وملابساته النفسية؛ بل يذهب أبعد من ذلك ليعيد قراءة قرار إسقاط النظام العراقي في ضوء الفوضى التي عمّت البلاد والمنطقة بعد الغزو. يرى نكسون أن إزالة صدام من المشهد خلقت فراغاً استُثمر في تغذية الانقسام الطائفي وصعود التنظيمات المتطرفة. يقدّم المؤلف نقداً لاذعاً لصنّاع القرار في البيت الأبيض وقيادات الـCIA، متهماً إياهم بتجاهل التقارير المهنية التي حذّرت من تداعيات الحرب، وبالانحياز إلى روايات سياسية جاهزة على حساب قراءة معمّقة لتعقيدات المجتمع العراقي.
تتميز هذه الشهادة بأنها تعكس في آن واحد انبهار الكاتب بكاريزما صدام الشخصية، وإصراره على توصيفه كحاكم قاسٍ مسؤول عن حروب دامية وقمع واسع. هذا يمنح النص قدراً من التوازن يندر في الأدبيات الغربية حول العراق. كما يفتح الكتاب نافذة مهمّة أمام الصحافيين والباحثين لفهم كيفية صناعة القرار الأمني في واشنطن، وحدود المعرفة الاستخباراتية حين تُستخدم لتبرير خيارات أيديولوجية مسبقة. هذا يجعل «استجواب الرئيس» مادة غنيّة لتحليل علاقة الولايات المتحدة بالشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي للعراق.


