رقصة الوداع الأخيرة: حين يرفض القلب إسقاط من أحبّ

أضيف بتاريخ 01/08/2026
الجِنان Al Jinane

>

يقدّم هذا المشهد حكاية مكثفة عن لحظة يقف فيها الإنسان على حافة النسيان، أمام مكان يبدو وكأنه صُمم ليأتي إليه الناس كي يُسقطوا أحباءهم من قلوبهم، أو يتخلوا عنهم ويمضوا قدماً مع المجتمع الذي لا ينتظر أحداً. يدخل الرجل المرتدي الأزرق حاملاً على كتفيه ثقل ذكرى امرأة ربما ماتت فعلاً، أو ماتت فقط في قلبه، لكنه لا يزال عاجزاً عن الاعتراف بذلك. في خلفية هذا الفعل، يبدو المكان نفسه أشبه ببوابة رمزية بين عالمين: عالم التعلّق الذي يرفض أن يُفلت يد الماضي، وعالم بارد يطالب صاحبه بأن يتخفف من كل ما يعرقل مسيرته.  

الرجل الآخر، في البدلة الأنيقة، يمكن قراءته كتجسيد للمجتمع بأحكامه القاسية، أو لصوت واقعي يأتي ليخبر صاحب الأزرق أن ما يتمسك به ليس سوى «وزن ميت» يجرّه إلى الخلف. إنه قد يكون صديقاً عملياً، أو قريباً يريد «مساعدته» على النسيان، أو حتى صورة من ذاته القديمة التي سبق أن جاءت إلى هذا المكان وأسقطت حباً آخر هناك. لذلك يظهر كمن يعرف القواعد: يوجد باب، وعُرف غير مكتوب، وطريقة صحيحة للتخلي عن من مات في القلب. لكنه، لحظة إسقاط الحبيبة المفترضة، يكشف دون أن يدري عن مفارقة قاسية: بمجرد أن تسقط الجثة رمزياً، تعود الذكرى نفسها إلى الحياة، وتطل من جديد في صورة الرغبة القديمة في أن يكونا «معاً»، متحدين رغم كل شيء.  

هنا ينكسر المنطق البارد الذي يحكم هذا المكان. فبدلاً من أن يتحرر الرجل من الماضي، تستيقظ الذكرى وتتمرد على قرار إعدامها، كأن الروح التي قيل لها «انتهى الأمر» ترفض الاعتراف بالحكم. تتحول اللحظة إلى رقصة بين الموت والحياة: جسد يريد أن يُدفن في ركن بعيد من الذاكرة، ونفس ترفض الانفصال لأنها لم تُعطَ فرصة حقيقية للوداع. ومع انسحاب كل الأصوات الخارجية، يتبقى الاثنان وحدهما في مساحة شبه مغلقة، يلفّهما صمت لا يقطعه إلا إيقاع خطواتهما المترددة؛ كأن العالم كله تراجع خطوة إلى الخلف ليتركهما يقرران مصيرهما دون ضغط من مجتمع، أو منطق، أو خطاب عقلاني يطالب بالنسيان.  

في هذه الرقصة المؤلمة، لا يعود السؤال: هل يجب التخلي عن كل شيء؟ بل يتحول إلى سؤال أعمق: ما الذي نتخلى عنه فعلاً حين نختار أن «نسقط» من أحببنا؟ هل نتخلى عن شخص غاب، أم عن جزء من ذواتنا تشكّل به؟ المشهد يبدو كأنه يقول إن الانفصال الحقيقي لا يحدث إلا عندما يختار الطرفان أن يتحررا من بعضهما، لا عندما يُملى ذلك عليهما من بابٍ يتخصص في استقبال القصص المنتهية. وعندما لا يحدث هذا الاختيار، تصبح كل محاولة للنسيان مجرد إعادة تدوير للألم في شكلٍ جديد: رقصة طويلة، صامتة، يتعلم فيها العاشقان كيف يتنفسان معاً للمرة الأخيرة، قبل أن يقررا – أو لا يقررا – ما إذا كان أحدهما سيخرج من هذا المكان وحده.