تضع رواية «الحياة ليست رواية» للكاتب اللبناني عبده وازن القارئ أمام لعبة سردية معقّدة، بطلها الأساسي ليس شخصًا بعينه بقدر ما هو فعل القراءة نفسه، مجسّدًا في شخصية تُسمّى ببساطة «القارئ» من دون اسم علم، كأن هويته لا تزيد عن الكتب التي يلتهمها ويعيش داخلها. ينفي العنوان في ظاهره التطابق بين الواقع والسرد، لكنه يكشف تدريجيًا هشاشة الحدود بينهما، إذ تتحوّل حياة البطل إلى سلسلة من المواقف والعلاقات التي لا تُفهم إلا من خلال الروايات التي يقرأها، فيبدو أن الحياة، مهما ادّعت استقلالها، لا تكفّ عن التشبه بحكاية ما.
تتقدّم الرواية عبر مسار تأملي تشتبك فيه أسئلة الهوية والفقد والحب وصداقات المثقفين وذكريات الحرب الأهلية، حيث يتداخل زمن الحاضر بالماضي وتوقعات المستقبل، في بنية لا تقوم على خط زمني مستقيم بل على حركة ذهاب وإياب بين طبقات الذاكرة. وتقوم الشخصيات الرئيسة –القارئ، ورفاقه الكتّاب والقرّاء، والنساء اللواتي يعبرن حياته– ببناء عالم روائي يتغذى من الكتب بقدر ما يتغذى من الشارع والمدينة والعلاقات الإنسانية اليومية، ليغدو كل كائن حيّ «رواية تمشي على قدمين» تحتاج إلى من يقرأها.
تقدّم «الحياة ليست رواية» أيضًا تأمّلًا طويلًا في ماهية القراءة نفسها؛ فهي ليست استهلاكًا للنصوص أو هروبًا من الواقع، بل فعل **خلق** يؤجل الكتابة ويحوّلها إلى طاقة كامنة داخل القراءة، كما يردد البطل عبارته المتكررة: «أنا قارئ يكتب، ولست كاتبًا». ومن خلال هذا المنظور، تبدو الكتابة محاولة لترميم الذات المكسورة وإعادة تشكيل العالم حين يتحطم، لا بحثًا عن نهاية سعيدة بل عن طريقة لفهم الألم والخسارة وإبقائهما قابلين للتسمية بدل أن يذوبا في صمت النسيان.
صيغت الرواية بلغة أنيقة متأملة، تمزج بين الانسياب الشعري والعبارة السردية الواضحة، وتعتمد على حوارات داخلية طويلة، ومراجع أدبية عالمية يستحضرها البطل من دوستويفسكي وتولستوي إلى نجيب محفوظ وألبير قصيري، في حوار مستمر بين النص العربي الحديث وتراث الرواية العالمية. ووفق بيانات الناشر والنقّاد، صدرت الرواية عن **منشورات المتوسط – إيطاليا** سنة 2025 في ما يقارب ثلاثمئة صفحة، وقد لفتت الأنظار كعمل يوسّع مشروع عبده وازن في كتابة رواية عن القراءة، تجعل من حياة القارئ، بكل هشاشتها وتصدّعاتها، مادة سردية تناقض العنوان وتؤكده في آن.