يقدّم كتاب «عدول عن الرأي.. في فلسفة الحياة» للفيلسوف البريطاني جوليان باجيني تجربة فكرية مبسّطة تسائل أحد أكثر الأشياء حضورًا في حياتنا اليومية وأقلّها فحصًا: الرأي الشخصي. ينطلق الكتاب من فرضية أن الرأي، حين يُرفَع إلى مرتبة الحقيقة المطلقة، يتحوّل إلى عائق أمام الفهم العميق للعالم والذات، لأنه يستبدل البرهان بالانطباع، ويستعيض عن التفكير الهادئ بردود الفعل السريعة.
يستند المشروع الفلسفي لباجيني على نقد المغالطات و«الحجج الفاسدة» التي تُستخدم في النقاشات العامة والسياسة ووسائل الإعلام. هذه الحجج تبدو مقنعة لكنها تخفي في بنيتها خللًا منطقيًا يضلل المتلقي ويشوّه صورة الواقع. ولذلك يمرّ المؤلف عبر عشرات الأمثلة من تصريحات المشاهير والفاعلين في المجال العام، محللًا كيف تُسهم هذه الصيغ الخطابية في صناعة أوهام جماعية، وتعطيل قدرة الأفراد على اتخاذ مواقف مبنية على معرفة لا على تحيّزات مسبقة.
يقارب الكتاب موضوعه من زاوية قريبة من الحياة اليومية. بدلاً من أن يقدّم الفلسفة بوصفها نظريات ميتافيزيقية معقّدة، يعرضها كتمرين متواصل على الشك المنهجي، وعلى مقاومة الميل التلقائي لتصديق ما نحب أن نسمعه أو ما يؤكد ما نميل إليه سلفًا. بهذا الأسلوب، يتحوّل النص إلى دعوة هادئة لتحرير التفكير من سلطة «الرأي الجاهز» الذي حذّر منه فلاسفة كغاستون باشلار، واستبداله بسلوك عقلي يقوم على السؤال، وتتبّع الحجّة، والتمييز بين ما يبدو مقنعًا وما يصمد أمام النقد والتحليل.
يكتسب هذا العمل أهميته للقارئ العربي في زمن تتضخم فيه وفرة الآراء على منصات التواصل أسرع بكثير من وفرة المعارف الموثوقة. إذ يتيح له أدوات بسيطة للكشف عن المغالطات في الخطاب السياسي والديني والإعلامي، دون ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية. لذلك يمكن قراءة «عدول عن الرأي في فلسفة الحياة» بوصفه دعوة إلى ممارسة تفكير أكثر تواضعًا ومسؤولية. حيث يصبح النقاش مساحة لا لاستعراض المواقف، بل لاختبارها والتخلي عن بعضها عندما يثبت ضعفها أمام قوة الحجة والبرهان.