يقدّم كتاب «العالم المكتوب: تأثير القصص في تشكيل البشر والتاريخ والحضارات» للمفكر والأستاذ بجامعة هارفارد مارتن بوكنر، في ترجمته العربية التي أنجزتها نوف الميموني وصدرته دار أثر، رحلة فكرية واسعة تتابع قصة الأدب منذ بدايات الكتابة إلى زمن الروايات العالمية المعاصرة. بوصفه قوة خفية أعادت تشكيل التاريخ والوعي والحضارة. ينطلق الكتاب من فكرة أن الإنسان كائن حكّاء، لكن القصص لا تصبح فعلاً تاريخيًا إلا حين تلتقي بالكتابة. فهناك يتحول السرد إلى ذاكرة قابلة للبقاء والتأثير العابر للأزمنة والحدود.
في ستة عشر «نصًا تأسيسيًا»، يتوقف بوكنر عند أعمال محورية، من هوميروس وحكاية جينجي و«دون كيشوت» و«البيان الشيوعي» وصولًا إلى «هاري بوتر». يتتبع كيف أسهمت هذه النصوص في صعود إمبراطوريات، وولادة أفكار فلسفية وسياسية، وتكوين معتقدات دينية جديدة، لا باعتبارها مجرد مرآة للواقع بل بوصفها قوة تصنع هذا الواقع وتعيد تعريفه. ويستعرض الكتاب في هذا السياق حكايات مثل تأثير «الإلياذة» في تشكيل خيال الإسكندر الأكبر، أو دور النصوص الدينية في رسم خرائط الإيمان والجماعات، وكيف أن الوثائق والقوانين نفسها ليست سوى قصص مقنّعة تنظّم السلطة وتمنحها شرعية ومعنى.
يتقصى المؤلف تاريخ تقنيات الكتابة. يبدأ من اختراع النظام الكتابي في بلاد الرافدين ثم في الأمريكيتين، إلى تطور الورق والكتاب والطباعة. هذه الاختراعات لم تغيّر أدوات التواصل فحسب بل غيّرت شكل الإنسان نفسه وطريقة نظره إلى العالم. ويتوقف عند مفارقات لافتة؛ فبعض الكهنة الهنود والرواة في غرب إفريقيا قاوموا تدوين القصص المقدسة خوفًا من فقدان السيطرة عليها، في حين سعى كتبة آخرون عبر التاريخ إلى احتكار مهارة الكتابة لتثبيت امتيازاتهم المعرفية والاجتماعية.
يمنح «العالم المكتوب» مساحة كبيرة لفكرة أن الثقافات الشفهية، على أهميتها، كانت مهددة بالاندثار لولا انتقالها إلى النص المكتوب. فبدون التدوين ما كنا لنعرف معظم الفلسفات الكبرى ولا أن نستعيد الأساطير التي أسست لهويات شعوب ومدن. لذلك يلح بوكنر على أن أعظم ثمار الكتابة هي قدرتها على حفظ الماضي وإبقائه فاعلًا في الحاضر، بحيث لا يظل التاريخ مجرد ذكريات بل يصبح مخزونًا مشتركًا يُعاد تأويله جيلاً بعد جيل.
من خلال هذه الرؤية، يبدو الأدب في الكتاب قوة حضارية لا تقتصر على المتعة الجمالية. بل تُظهر كيف نعيش داخل القصص أكثر مما نعيش داخل المدن، وكيف أن الأمم التي تعرف كيف تروي حكايتها تمتلك القدرة على صياغة مستقبلها. بهذا المعنى، يشكل «العالم المكتوب» إضافة مهمة للقارئ العربي المهتم بتاريخ الأفكار والكتابة، لأنه يربط بين مصائر النصوص ومسارات البشر، ويقترح قراءة هادئة لعلاقة الأدب بالسلطة والدين والهوية في عالم يتشكل كل يوم على صفحات كتاب كبير اسمه الكلام المكتوب.