يطرح كتاب «لماذا ينشغل الفلاسفة بالآداب والفنون؟» للباحث المغربي عبد العزيز بومسهولي سؤالًا مركزيًا عن سرّ الجاذبية التي تمارسها الرواية والقصيدة واللوحة والمسرح على التفكير الفلسفي، وكأن الفيلسوف لا يكتمل إلا وهو ينصت إلى أصوات المبدعين. فالعمل لا يتعامل مع الأدب والفن كترف جمالي على هامش التفلسف، بل يقدمهما بوصفهما مختبرًا حيًا للأفكار، ومساحة تجريبية يكشف فيها الإنسان عن رؤيته للعالم، وحدوده، وممكناته
ينطلق بومسهولي من تتبع هذا التواشج التاريخي بين الفلسفة والإبداع، مبينًا كيف استند كبار الفلاسفة، من أفلاطون إلى نيتشه، إلى الحكايات والأساطير والنصوص الأدبية في بناء تصوراتهم حول الحقيقة والخير والجمال، حتى حين كانوا يبدون في الظاهر خصومًا للشعراء والفنانين. ويقدّم الكتاب قراءة تحليلية لعلاقة الفلسفة بالأدب العربي والغربي معًا، مسلطًا الضوء على أن العمل الفني لا يقدّم «تزويقًا» للعالم، بل صياغة أخرى للحقيقة، تكشف ما تعجز اللغة المفهومية المباشرة عن الإمساك به.
كما يوضح المؤلف أن انشغال الفلاسفة بالفنون يندرج ضمن تصور أوسع للفلسفة باعتبارها فنًا للعيش وممارسة ثقافية يومية، لا مجرّد خطاب أكاديمي مغلق تدور موضوعاته في المجردات. لذلك يلح الكتاب على ضرورة إعادة إدماج الأدب والفنون في الدرس الفلسفي، وفي تكوين القارئ المعاصر، لأن هذا التلاقي بين التفكير الجمالي والتفكير المفهومي هو ما يسمح ببناء وعي نقدي أكثر حساسية بتجربة الإنسان وبتعقيدات الواقع الذي يعيشه.