بين السيرة والمعنى: مودة الغرباء وامتحان الذات

أضيف بتاريخ 01/20/2026
الجِنان Al Jinane

يأتي كتاب «مودّة الغرباء: حكايات من السير الذاتية والمذكّرات» لمحمّد عبد العزيز الهجين ليعيد القارئ إلى فن عريق كاد يهمّشه الضجيج اليومي: فن قراءة حياة الآخرين بوصفها مرآةً لحياتنا. هذا العمل، الذي ثمرة ستّ سنوات من القراءة المتأنية في سير ومذكّرات عشرات الشخصيات العربية والعالمية، لا يقدّم ملخّصات باردة لكتب السيرة بقدر ما ينسج حوارًا حيًّا بين تجاربهم وأسئلة الإنسان المعاصر عن الهوية والذاكرة والمعنى.



يُقسِّم الهجين كتابه إلى خمسة فصول. في هذه الفصول، يتحرّك من بدايات القرن العشرين إلى عوالم مثقفين ومفكرين ورحّالة ومصلحين، مستحضرًا نماذج مثل شكيب أرسلان، جورجي زيدان، ستيفان تسفايج، وأنّا ماري شيمل، وغيرها من الأسماء التي تشكّل خيوطًا خفيّة في نسيج التاريخ الفكري الحديث. لا يكتفي الكاتب بعرض تواريخ الميلاد والوفاة أو تعداد المؤلفات، بل يتوقّف عند اللحظات البارزة في سِيَر هؤلاء: المنفى، الانكسار، التحوّل الفكري، الصدام مع السلطة أو المجتمع. ثم يقرأها قراءة تأمّلية تربط بين الإنسان الفرد وسياقه الحضاري والسياسي.

قوّة الكتاب أنّه يقدّم «السيرة الذاتية» بوصفها تجربة أخلاقية ومعرفية في آن. فكل حكاية من حكاياته تنتهي بسؤال مفتوح: ما الذي نتعلّمه من هذا المسار الشخصي عن معنى الحرية، أو قيمة العلم، أو ثمن المبدأ حين يصطدم بالواقع؟ يشعر القارئ أنّه في أمسية طويلة مع رفقة من «الغرباء» الذين يعيشون في أزمنة وأمكنة بعيدة، لكن همومهم الوجودية تشبه إلى حدّ بعيد ما يعتمل في نفوسنا اليوم من قلق تجاه المستقبل واضطراب الهويّات وتحولات العالم.

أسلوب الهجين سلس وعميق في الوقت نفسه. جُمل قصيرة غالبًا، لكنها مشحونة بإشارات ثقافية وتاريخية تجعل الكتاب أقرب إلى ورشة قراءة ممتدّة لا إلى مراجعات معزولة لكتب السير. يتعمّد الكاتب أن يترك مسافة بينه وبين الشخصيات التي يكتب عنها؛ فلا يقع في التقديس ولا في التشهير، بل يوازن بين التعاطف والنقد، ويكشف تناقضات البشر كما هي: مفكر لامع لكنه متكبّر، مصلح شجاع تحاصره هزائمه الخاصة، أديب مرهف يعيش حياة شخصية فوضوية.

«مودّة الغرباء» يمثّل دعوة للقارئ العربي الشغوف بالتاريخ والفكر، إلى أن تتحوّل قراءة السير الذاتية من رفاهية ثقافية إلى عادة معرفية دائمة. لأنها تتيح لنا فهْم تحوّلات القرن العشرين من خلال عيون من عاشوها لا من خلال سرديات رسمية جامدة. كما أن الكتاب يفتح شهية الصحافي والباحث على استخدام السيرة والمذكّرات كمصادر ثرية للكتابة والتحقيق، بما تحمله من تفاصيل حياتية واجتماعية لا نجدها في المراجع الأكاديمية. وهو ما يجعل هذا العمل إضافة ذات قيمة خاصة إلى المكتبة العربية المعاصر