في كتابه «التخلي عن الأدب» الصادر عن منشورات المتوسط، يطرح عبد الفتاح كيليطو سؤالًا مقلقًا ومفارقًا في آن: هل يمكن فعلاً التخلي عن الأدب أم أن هذا «التخلي» نفسه يتحوّل إلى موضوع أدبي يمدّ النصوص بالحياة والاستمرار؟ ينطلق الكاتب من حكايات ونصوص متفرقة، عربية وغربية، ليبيّن أن أكبر عشّاق الأدب هم في الغالب أولئك الذين يعلنون، في لحظة ما، رغبتهم في الانسحاب منه أو التبرؤ من أعمالهم، فيكتشف القارئ أن إعلان القطيعة لا يعني الخروج من الأدب، بل الاندراج في نوع آخر من الحضور داخل ذاكرته.
يتتبّع كيليطو نماذج متعددة لـ«الانسحاب» الأدبي. ومن هذه النماذج، دون كيخوته الذي يقرّر على فراش الموت التوبة عن عالم الفروسية، إلى أبي زيد السروجي الذي يتخلّى عن المقامات، مرورًا بسرفانتس الذي نسب روايته إلى مؤلف «عربي» متخيَّل، وغيرهم من الكتّاب الذين لجؤوا إلى الأسماء المستعارة أو أعدموا كتبهم بأنفسهم. ومن خلال هذه الأمثلة، يتبدى أن التخلّي ليس فعل ضعف أو ندم فحسب، بل آلية سردية ومعرفية تعيد ترتيب علاقة الكاتب بأبطاله وبجمهوره، وتطرح على القارئ سؤالًا عن حدود الأدب وإمكاناته.
الاقتباس الذي يورده كيليطو عن بحثه الدائم عن «أثر الآخر» في النصوص، كما في قراءته لرواية «روبنسون كروزو» وربط أثر القدم في الرمال بشخصية حي بن يقظان وابن طفيل، يكشف عن منهجه في هذا الكتاب. فهو يفتّش في الهوامش والإشارات الصغرى عما يشي بحضور نصوص غائبة أو مقموعة خلف السرد. بهذا المعنى، يبدو «التخلي عن الأدب» امتدادًا لمشروع كيليطو النقدي الذي يزاوج بين متعة الحكي ودقة التحليل، ويعيد وصل التراث العربي بالأدب العالمي عبر مسارات غير متوقعة. حيث يصبح كل أثرٍ – حتى لو كان متخيَّلًا – دليلًا على أن الأدب لا يكفّ عن ملاحقة قرّائه وكتّابه مهما ادّعوا الابتعاد.