يقدّم كتاب «الأفغاني وعبده: مقالة في الإلحاد الديني والنشاط السياسي في الإسلام الحديث» للمؤرخ إيلي خدوري قراءة مثيرة للجدل لمسيرة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. ينتهي إلى اتهامهما بـ«الإلحاد» وبالقطيعة مع الإسلام السني التقليدي، مستندًا إلى تحليل لمواقفهما الفكرية وخياراتهما السياسية في أواخر القرن التاسع عشر. يمثل هذا العمل أحد المراجع الأساسية في الدراسات الغربية والعربية عن الرجلين، وظلّ حاضراً في إحالات الباحثين منذ صدوره في الستينيات. ما جعله نصًا مرجعيًا لفهم كيفية تلقّي مشروع الإصلاح عند الأفغاني وعبده في الأوساط الاستشراقية والأكاديمية.
غير أنّ مترجم الكتاب إلى العربية، يعلن بوضوح رفضه للنتيجة الرئيسة التي ينتهي إليها خدوري بشأن «إلحاد» الأفغاني وعبده. ويرى أنها لا تعبّر عن تقييمه العلمي لهما ولا عن حصيلة الدراسات الإسلامية التي تناولت مشروعهما الإصلاحي. ومن هذا المنطلق، أرفق الترجمة بمقدمة نقدية مطوّلة يستعرض فيها أبرز ردود المفكرين العرب والمسلمين على أطروحة خدوري. ثم يعيد تقويم تلك الردود والأطروحة ذاتها بمنهجية موضوعية، متجاوزًا الدور التقليدي للمترجم بوصفه ناقلًا محايدًا للنص إلى شريك في الحوار العلمي حوله.
ينطلق سليمان من فكرة أن القيمة المعرفية للكتاب لا تختزل في نتيجته النهائية. فالمشهد العربي يعاني من «نقد النتائج» وإهمال البناء المفهومي والمنهجي للنصوص. بينما تسهم أطروحة خدوري – رغم تحفّظاته عليها – في إبراز إشكالية عقدية وفكرية حقيقية في تجربة الأفغاني وعبده، تتمثل في التوتر بين نزوعهما العقلي الإصلاحي وحدود الأرثوذكسية السنية السائدة. ويُدعى القارئ هنا إلى التعامل مع الكتاب بوصفه مادة للدرس والتأمل، لا مجرد حكم بالإدانة أو التبرئة. بما يسمح بفهم أعمق لمسارات الإصلاح الديني وحدودها في سياق الحداثة الإسلامية.
من جهة أخرى، تسد هذه الترجمة ثغرة بارزة في المكتبة العربية. فالكتاب حاضر بقوة في مراجع الدراسات الإسلامية والفكرية، لكن القارئ العربي ظلّ يعتمد على نقولات غير مباشرة عنه دون أن تتوفر له نسخة عربية كاملة وموثّقة. ومع إصدار مركز نماء للبحوث والدراسات لهذا العمل، يصبح أمام الباحثين نصّ أصيل يمكن مناقشته نقديًا، في ضوء ما تراكم من أبحاث حول الفكر الإصلاحي للأفغاني وعبده ومكانته في ميزان الدعوة الإسلامية الحديثة.
يوضّح المترجم أن مركز نماء لا يتبنّى رؤية خدوري ولا يحوّل أطروحته إلى موقف عقدي من رموز الإصلاح. بل، يقدّم الكتاب بوصفه وثيقة علمية مفتوحة أمام جميع القرّاء، من المؤيدين والمعارضين على حد سواء. ويرجو أن تسهم هذه الترجمة، إلى جانب أعماله السابقة والحالية، في تنشيط النقاش البحثي حول تاريخ الفكر الإسلامي الحديث، وفهم تعقيدات العلاقة بين الإيمان والعقل والسياسة في مشروع الأفغاني وعبده الإصلاحي.