تبدو حياة دوريس ليسنغ نفسها مثالًا على الكاتبة التي رفضت أن تعيش في السجون الجاهزة التي تفرضها العائلة والأيديولوجيا والإمبراطورية؛ فقد وُلدت عام 1919 في كرمنشاه بإيران لأبوين بريطانيين، ثم نشأت في روديسيا الجنوبية «زيمبابوي حاليًا»، قبل أن تستقر في لندن وتصبح واحدة من أهم الأصوات الروائية والفكرية في القرن العشرين. خرجت من المدرسة مبكرًا، وعلّمت نفسها بنفسها، واشتغلت في أعمال بسيطة، قبل أن تكرس حياتها للكتابة، في روايات ومجموعات قصصية ومقالات تستكشف قضايا الاستعمار والعنصرية والطبقة والجنون والنسوية والسلطة، حتى تُوِّج هذا المسار بجائزة نوبل للآداب عام 2007 بوصفها «الراوية الملحمية لتجربة المرأة»، ولتصبح أكبر الكاتبات سنًّا ممن نلن هذه الجائزة.
هذا المزج بين التجربة الشخصية المتقلبة والوعي السياسي الحاد هو ما يُغذي كتابها الصغير والعميق «سجون نختار أن نحيا فيها»، الذي نقرأه اليوم في ترجمته العربية التي أنجزتها سهير صبري، والصادر عن المجلس الأعلى للثقافة في سلسلة «كتاب القاهرة». الكتاب في الأصل سلسلة من خمس محاضرات ألقتها ليسنغ عام 1985 برعاية هيئة الإذاعة الكندية ضمن «محاضرات مَسي»، ثم جُمعت في كتاب بالإنجليزية تحت العنوان نفسه، قبل أن تنتقل إلى لغات عديدة بينها العربية. لهذا يبدو النص أقرب إلى تأملات فكرية متماسكة منه إلى دراسة أكاديمية ثقيلة؛ لغة سلسة، وأمثلة من التاريخ والسياسة والإعلام، وأسئلة مفتوحة عن طبيعة الإنسان والجماعة.
جوهر فكرة الكتاب أن أغلب القيود التي تشلّ وعينا لا تأتي من السجون والديكتاتوريات وحدها، بل من داخلنا نحن، من ميلنا الفطري إلى الانتماء الأعمى للجماعة، وإلى تصديق ما يريده قادتنا وأحزابنا وصحفنا أن نصدّقه. تتتبع ليسنغ تجاربها مع الأحزاب الشيوعية التي انخرطت فيها، وكيف اكتشفت أن الرفاق الذين يرفعون شعارات الحرية يمكن أن يتحولوا بسهولة إلى آلة قمع لكل صوت شاذ عن «الرأي الصحيح»، وأن لغة التحرر قد تُستخدم لبناء سجن جديد أشد صلابة من السجن القديم. هنا يصبح «السجن» ليس الجدران والأسلاك الشائكة، بل بنية ذهنية: شعور باليقين، وعالم منقسم إلى «نحن» و«هم»، وإحساس بأن الحقيقة حكر على معسكر واحد، بينما الآخرون مضلَّلون أو أشرار.
ترى ليسنغ أن التاريخ البشري يكاد يكون سلسلة من الأمثلة الصارخة على هذا الميل إلى حياة القطيع؛ ثورات تبدأ بوعد الحرية ثم تنتهي إلى استبداد جديد، حركات تحرر تتحوّل إلى سلطات فاسدة، جماهير تُساق إلى الحروب والمذابح تحت تأثير الدعاية والخوف. تقول إن ما يثير القلق أن العلوم الإنسانية – من علم النفس إلى الاجتماع والأنثروبولوجيا – وفرت لنا كمًّا هائلًا من المعرفة حول آليات الإقناع الجماهيري، وغسل الأدمغة، وضغط المجموعة، لكن هذه المعارف تُستخدم غالبًا في الإعلانات والسياسة أكثر مما تُستخدم لتحرير الإنسان من الوهم. بهذا المعنى، لا يعود الجهل بريئًا؛ إننا نختار أن نُغمض أعيننا عن الأدوات التي قد تساعدنا على مقاومة السجون الذهنية، لأن مواجهة الذات أصعب من الاستسلام لليقين المريح.
في مواجهة هذا الواقع، تقترح ليسنغ موقفًا فكريًّا وأخلاقيًّا بسيطًا في صياغته صعبًا في ممارسته: أن نتعلم النظر إلى أنفسنا كما لو كنا «زوارًا من كوكب آخر»، نراقب مجتمعاتنا ببرود وفضول، بلا انفعال أيديولوجي ولا تعصّب قبلي. هذا «الابتعاد المتعمّد» يسمح – في رأيها – بأن نرى ما يبدو بديهيًا على حقيقته، وأن ندرك كيف ستبدو قناعات عصرنا وغضباته لأحفادنا بعد مئة عام، تمامًا كما نرى نحن اليوم أفكار القرون السابقة مفعمة بالسذاجة والتعصب. هنا تتقاطع رؤيتها مع أسئلة الصحافة والنقد الثقافي: كيف نكتب عن عالم نشارك فيه، لكننا مطالبون في الوقت نفسه بأن نضع بيننا وبينه مسافة كافية للتشخيص والفهم؟
من زاوية قارئ عربي يعيش في زمن الاستقطاب الرقمي، تبدو أطروحات «سجون نختار أن نحيا فيها» أكثر راهنية من زمن كتابتها؛ فوسائل التواصل صارت مختبرًا مفتوحًا لـ«عقول الجماعات» التي تصفها ليسنغ، حيث تُنتج الخوارزميات غرف صدى محكمة، ويتحول الاختلاف في الرأي إلى معركة هوية، ويُكافأ الخطاب المتشنّج على حساب التفكير البارد المتأني. تمنحنا ليسنغ مفاتيح لفهم هذا كله: الحذر من اليقين السهل، فضيلة الشك، ضرورة مراجعة المواقف الدائمة، وحتمية الاعتراف بقدرتنا – نحن أيضًا – على الوقوع في خطايا الكراهية والاصطفاف، حتى ونحن نرفع شعارات الحرية والعقلانية. لهذا يمكن قراءة الكتاب، لا بوصفه مجرد نص كلاسيكي قصير لروائية حازت نوبل، بل كمرشد عملي لكل من يكتب أو يقرأ أو يشارك في صناعة الرأي العام، حتى لا يتحوّل القلم والمنصّة إلى قضبان جديدة في سجن نختار أن نحيا فيه بإرادتنا.