تخيّل بعد سنوات قليلة أن تظهر صورة في موجزك. تبدو مهمّة: احتجاج، حادث، كارثة طبيعية. تتأملها. تشعر بشيء. ثم يمرّ خاطر سريع: ربما هي مزيفة. تتابع التمرير بصمت.
قد تكون الصورة حقيقية؛ ربما التقط أحدهم لحظة صدق لا تُعوّض. لكنك لن تعرف على وجه اليقين، وقد تعلّمت ألّا تكلّف نفسك عناء التأكد. صار المحتوى البصري غير الموثّق مجرّد إيضاح، تتلقّاه كما تلقّى أسلافك اللوحات: دلالة محتملة، لا حجة قاطعة. الصورة لم تعد دليلاً، وربما لن تعود كذلك. هذا هو العالم بعد الفوتوغرافيا.
طوال قرنين تقريباً، أدّى الجهاز الفوتوغرافي دور الشاهد الآلي. جملة “الكاميرا لا تكذب” لم تكن يوماً حقيقة حرفية، فالتلاعب رافق الوسيط منذ بداياته، لكنها كانت صحيحة وظيفياً: اصطناع زيف مقنع احتاج موارد وخبرة ووقتاً. كانت كلفة الخداع مرتفعة بما يكفي كي نقبل الصور والفيديوهات كأدلة افتراضية، من غرف الأخبار إلى الأبحاث العلمية وحتى المحاكم. تلك العتبة انهارت الآن.
ما يحدث لا يقتصر على فقدان الثقة بالصور. يحدث بينما تتهاوى بالتوازي الأطر التي كانت تضبط الثقة بالنص. قبل الصورة، كان الناس يعبرون المعلومات عبر حرّاس مؤسسيين: ناشرون وقنوات وصحف لها سمعة تُصان ورخص يمكن أن تُسحب. الوصول إلى جمهور واسع كان مصفاة خشنة تُنتج قدراً أدنى من المصداقية. اليوم، ينشر أيٌ كان، وتضخّم الخوارزميات التفاعل لا الدقة. آخر ما ظننّاه مرساةً في واقع مشترك—الوثيقة المرئية—يذوب في الشك. لسنا عائدين إلى 1838؛ نحن في مكان مختلف تماماً.
هذا التحول ليس تكهّناً بعيداً. نحن نعيشه الآن، وسيكتمل قريباً. تقنيات توليد الفيديوهات والصور “الواقعية” لأحداث لم تقع موجودة اليوم، وكلفتها تميل للصفر ووقت إنتاجها لثوانٍ. المتبقي هو العادة: أن يصبح سؤال “هل هذا حقيقي؟” رد الفعل التلقائي أمام أي محتوى بصري. يمكنك تلمّسه في تردّدك قبل المشاركة، وفي إخلاءات المسؤولية التي صارت ملازمة لتغطيات إخبارية، وفي حسابات متخصصة لا تفعل سوى تفكيك ما لم يوجد أصلاً. التغيير ليس قادماً؛ هو حاضر. ننتظر أن يلحظه الجميع.
هناك من يظن أنه سيستفيد. مسؤولون وشخصيات عامة لاحظوا أن آلة المساءلة تترنّح: لا “لقطات قاضية” بعد اليوم، وكل شيء يمكن نفيه بجملة “هذه ذكاء اصطناعي”. هذا وهم قصير العمر. الأدوات نفسها التي تتيح نفي صور أصيلة ستُستخدم لصناعة صور ضدك. التآكل ذاته في الثقة الذي يقيك اليوم سيُسلَّح ضدك غداً. في عالم لا يُثبَت فيه شيء، لا أحد بمنأى—خصوصاً من فرح بتعطيل القواعد. “عائد الكاذب” قرض، لا هبة. سيُستوفى.
قلة فقط ستسعى إلى التثبّت من المصدر. هذا ليس جديداً. كثيرون لم يقرأوا يوماً مصادر أولية أو يتحققوا مستقلاً أو يتتبعوا نسب المعلومة. فوّضوا ذلك لحرّاس تحرير ومعايير بث. لكن طبيعة الحرّاس تبدّلت: خوارزمية المنصة تُحسّن التفاعل لا الحقيقة؛ الخيط الزمني بلا معيار تحريري؛ مؤسسات عريقة غدت منارات متحزّبة لرؤى بعينها. الاستبدال اكتمل: نُزعت الوساطة لصالح أنظمة بلا إرادة ولا التزام بالتحقق.
لدينا خياران خشنان: إحياء مصافي ثقة جديدة—مؤسسات ومعايير وحواجز بين الصناعة والجمهور—أو بناء آليات تحقق مفتوحة تمكّن أي شخص من فحص الأصالة دون وصي. لكل طريق كلفته.
حين تتطلب الحقيقة جهداً وتعليماً أو أدوات مدفوعة، تصبح رفاهية. تخيّل أن المعلومات الموثوقة تختبئ وراء جدران الدفع، وأن أدوات التحقق تحتاج ثقافة تقنية، وأن فهم بيانات المنشأ يتطلب تعليماً لا يوفّره التعليم العام. مهارات الملاحة في بيئة “الوسائط الاصطناعية” موزعة بشكل غير عادل، ولن تتساوى سريعاً. نتجه إلى طبقية معرفية: من يملك الوقت والموارد والتعليم يعيش في فقاعة معلومات مُوثّقة؛ الباقون يسبحون في محيط غير مميز بين وثائقي وصناعة، بين خبر ودعاية. هذا ليس قدراً تقنياً؛ إنه قرار سياسي: هل نجعل الاعتماد والموثوقية حقاً عاماً، أم سلعة فاخرة؟
ثمة بديل تقني-اجتماعي واعد: “اعتمادات المحتوى” Content Credentials عبر معيار C2PA (https://c2pa.org/). الفكرة أن يُوقَّع المحتوى توقيعاً رقمياً عند إنتاجه، وتُسجَّل كل تعديلات لاحقة في بيانات منشأ لا يُعبث بها، ليتمكن أي شخص من تفقد سلسلة النَسَب. إذا انتشر التبنّي، نحصل على آلية تحقق لا تتطلب الثقة بمنصة أو ناشر: الشهادة تسافر مع المحتوى ويمكن لأي طرف التحقق منها. لكن التعميم صعب: يحتاج تعاون صانعي الكاميرات ومحرري البرمجيات والمنصات والناشرين، ويحتاج وعياً جماهيرياً بمعنى الشهادات ومتى تُفحص، ويحتاج تغيير عادة ترسخت قرنين: منح الصورة ثقة تلقائية. هذا تحدٍ تعليمي قبل أن يكون تقنياً، وقد يستغرق عقوداً. وستعرقله دول ترى في الحيرة العامة مصلحة سياسية.
ما الذي يتغير عملياً؟ بالنسبة للعلامات التجارية، سيتعامل الجمهور والجهات الرقابية مع المحتوى البصري بشك افتراضي، وغياب بيانات المنشأ سيُقرأ كإشارة خطر. بالنسبة لغرف الأخبار، لن تكفي السمعة؛ يجب إتاحة تحقق مستقل لا ينهض فقط على اسم المؤسسة بل على شهادة مصاحبة للمادة. بالنسبة للمؤسسات، من كاميرات المراقبة إلى التصوير الطبي والأدلة القضائية، يلزم أطر تقييم جديدة للأدلة المرئية لم تتشكل بعد. وعلى الأفراد تطوير عادة السؤال: من أين جاء هذا؟ مثل عادة النظر يمنة ويسرة قبل العبور. بعضهم سيفعل؛ كثيرون لن يفعلوا.
المنظمات تستطيع قياس نضجها في هذا الانتقال: من كيانات لم تفكر في الأصالة إلى أخرى دمجت بيانات المنشأ عبر سلسلة إنتاجها. معرفة نقطة البداية تحدد وجهة السير وسرعته. أما المجتمع الأوسع فمطالب باختيار واضح: إما بناء بنية تحقق مفتوحة تُيسّر الوصول إلى الحقيقة، وإما القبول بعالم تُصبح فيه الحقيقة امتيازاً طبقياً، ويستسلم فيه معظم الناس لفكرة أن التفريق بين الحقيقي والمصنوع غير ذي جدوى.
لمن يريد تعميق الفهم بالمخاطر التربوية والمهارية، تقدم دراسة نادية نَفّي وزملائها حول “التزييفات فائقة الإتقان” (https://doi.org/10.7202/1085307ar) إطاراً عملياً لتعليم المواطنة الرقمية وبناء الكفاءة في مواجهة المحتوى المزيف المدفوع بالذكاء الاصطناعي.